كتب مصطفى عبدالعزيز البطل.. حين ينقلب التاريخ على صانعيه: من أشعل نار التمرد لا يحق له البكاء على دخان الدعم السريع.. بحسب قناة الجزيرة، قال السيد مني أركو مناوي في تصريحات أدلى بها أثناء زيارته لماليزيا: «إن إنشاء قوات الدعم السريع كان نتيجة لفشل الدولة في إيجاد الجيش الذي يحمي المواطنين». قرأت التصريح وهززت رأسي عجباً مما سمعت. الدولة تطير عيشتها يا سيد مناوي! الدولة فشلت في حماية المواطنين من شنو ومن منو؟
ماذا شربت يا هذا حتى أصبحت ترى الديك حماراً، واختلطت في رأسك وقائع التاريخ الذي صنعته بيديك، وكنا شهوداً عليه!
يقول التاريخ الذي عشناه، وتعرفه ذاكرة أهل السودان، إن قوات المراحيل، ثم قوات الدعم السريع، أنشأتهما حكومات السودان المتعاقبة، من الديمقراطية الثالثة إلى حكومات الإنقاذ، لمواجهة التمرد المسلح وحماية المواطنين في دارفور وكردفان من الهجمات التي كانت تستهدف مدنهم وقراهم، وتروّع الآمنين وتنهب ممتلكاتهم، وتدمّر مواردهم.
وأيّ تمرد هذا؟ إنه التمرد الذي كنت أنت يا سيد مناوي أحد أبرز مؤسسيه وقادته! أليس ذلك ما يقوله الواقع والتاريخ، أم أننا، لا سمح الله، نفتري عليك؟!
ألم تكن أنت على رأس التنظيمات المسلحة التي رعاها جون قرنق، وزوّدها بأطنان الأسلحة، وساندتها من خلفه قوى دولية وإقليمية، وظّفتها لزعزعة استقرار السودان وتقويض بنيانه؟ ألم تكن في مقدمة الجماعات المسلحة التي هاجمت مطارات دارفور ودمّرتها، واقتحمت المدن، ونهبت البنوك، وقطعت الطرق، وأشاعت الذعر والفوضى بين المواطنين؟!
ألم تكن من بين الذين عبّأوا قطاعات واسعة من أبناء الزرقة، وملأوا رؤوسهم بخزعبلات التهميش ودولة 56، وأشعلوا الفتنة الكبرى في دارفور؟!
أنظر في خريطة العالم يا حبيب، واقرأ شيئاً من التاريخ العسكري الحديث، وستجد أن الدول التي تواجه التمرد المسلح وحروب العصابات لا تكتفي دائماً بجيوشها النظامية، ذلك أن الجيوش النظامية ليست مهيأة، بطبيعة تكوينها وعقيدتها القتالية، للتعامل وحدها مع هذا النوع من الحروب.
ولم يكن السودان بدعاً في ذلك، ولا أول دولة تلجأ إلى القوات الصديقة والتشكيلات المحلية المسلحة لمساندة جيشها في مواجهة التمرد، سواء في الجنوب أو الغرب. وهي تشكيلات تُعرف في الأدبيات العسكرية العالمية باسم:
Pro-Government Militias (PGMs)
أي المليشيات الموالية للحكومة، أو القوات المساعدة، أو تشكيلات الدفاع الشعبي.
أنظر حولك يا سيد مناوي، وستجد عشرات الدول التي أنشأت تشكيلات مسلحة مساندة لجيوشها في مواجهة التمردات وحروب العصابات. من بينها سريلانكا، التي استعانت بمليشيات كارونا وغيرها في حربها ضد نمور التاميل، وبيرو التي استعانت بمليشيات «رونداس كومبنسيناس» في مواجهة حركة «الدرب المضيء»، وغواتيمالا ومليشيات «باكس»، وتركيا وتشكيلات «الحراس».
بل إن الولايات المتحدة، بما تملكه من جيوش جرارة وقدرات عسكرية هائلة، استعانت هي الأخرى بتشكيلات مسلحة محلية في حروبها، فأنشأت قوات حماية خوست، وقوات صدمة قندهار، وقوات الأربكي في أفغانستان، كما استعانت بمليشيات الصحوات ومجالس الإنقاذ في العراق.
وعندما يُكتب التاريخ الصحيح للسودان، بعيداً عن الأهواء والمصالح السياسية ومحاولات التنصل من المسؤوليات، فسنجد بين سطوره أن قوات الدعم السريع لم تكن وليدة فراغ، وإنما كانت إبناً شرعياً للتمرد المسلح الذي قادته نخب دارفور. ولولا ذلك التمرد، لما كان هناك، في الأصل، شئ اسمه قوات الدعم السريع.
فقوات المراحيل، التي تطورت لاحقاً إلى تشكيلات أخرى وصولاً إلى قوات الدعم السريع، أُنشئت في سياق مواجهة التمرد المسلح الذي قادته حركات دارفور، وجرّت خلفها ملايين البسطاء والتعساء، فدمّرت حياتهم، وأهلكت حرثهم ونسلهم.
ولا نملّ من التكرار: لولا التمرد المسلح في دارفور، الذي كنت يا سيد مناوي أحد أبرز قادته، لما كان هناك دعم سريع أساساً!
لذلك، فإن تصريحك، فضلاً عن انتقائيته، تنقصه الكثير من الحقائق. فلا يصح أن تقول إن الدولة أنشأت الدعم السريع لأنها فشلت في حماية الوطن والمواطنين، ثم تتجاهل دورك في صناعة الظروف التي قادت إلى نشأته.
والأمانة تقتضي أن تعيد صياغة تصريحك ليصبح أكثر اكتمالاً وصدقاً، فتقول: “كانت الدولة عاجزة عن حماية المواطنين الذين كانوا يعيشون في أمن وأمان، لا يخشون إلا الذئب على أغنامهم، فجئتُ أنا، وأسستُ حركة تمرد مسلح، وأشعلتُ الحرب، ودمّرتُ مقومات الحياة الطبيعية، وعرّضتُ الناس للتشريد والموت والفقر. ولما عجزت الحكومة عن القضاء على تمردي، اضطرت إلى الاستعانة بتشكيلات مسلحة محلية لمواجهته، ثم تطورت تلك التشكيلات إلى ما عُرف لاحقاً بقوات الدعم السريع”!
هذه، يا سيد مناوي، هي الرواية الصحيحة التي لا يجوز أن تُروى مبتورة، ولا أن يُمحى منها دور صناعها!
ودمت بخير، وحفظ الله ما بيننا من مودة.

















