اخبارمقالات الرأى

معركة مدينة الأبيض..حشود التمـ..ــرد واستعدادت الجيش

إن حشود قوات التمرد المتكررة حول مدينة الأبيض، ومحاولات اندفاعها المستمرة نحوها، لا تُقرأ عسكرياً كمجرد هجوم بري، بل يواجهها الجيش السوداني باعتبارها فرصة لتطبيق استراتيجية “استدراج العدو إلى مناطق القتل المجهزة” أو ما يُعرف في الأدبيات العسكرية بـ “الدفاع النشط من داخل خطوط محصنة”.

 

يعتمد الجيش في الأبيض على طبيعة المدينة التحصينية واستغلال حشود المتمردين في مناطق مكشوفة حول الطوق الدفاعي. فبدلاً من استهلاك القوة في معارك برية مفتوحة وواسعة في الفيافي المحيطة، يتم جر هذه الحشود للاقتراب من مدى المدفعية الثقيلة الموجهة مسبقاً، وتحت صيادات الطيران المسير والمقاتل. هذا الاقتراب يفرض على القوات المهاجمة التكتل في محاور وممرات حركة محددة، مما يسهل رصدها وتحويلها إلى أهداف صيد سهلة تفقد فيها تفوقها في الحركة السريعة، وتجبر على خوض معركة استنزاف عمودية وقاتلة دون القدرة على تحقيق اختراق حقيقي للمدينة.

 

 

تاريخياً، تزخر الحروب بنماذج تحول فيها اندفاع المهاجم وحشوده نحو هدف استراتيجي إلى مقبرة لقواته نتيجة اتباع هذا التخطيط. من أبرز هذه الحقائق التاريخية معركة ديان بيان فو في عام 1954، حيث حشدت القوات الفرنسية النخبوية في وادٍ محصن ظناً منها أنها ستجبر الفيتناميين على الهجوم وسحقهم، لكن القائد الفيتنامي جياب عكس الاستراتيجية تماماً؛ حيث ترك الفرنسيين يتخندقون ويحشدون في العمق، ثم استدرج خطوط إمدادهم وقام بتطويقهم من المرتفعات المحيطة وقصفهم بالمدفعية قصفاً مركزاً حتى استسلمت القوة الفرنسية بالكامل في تحول تاريخي أنهى الوجود الفرنسي هناك.

 

كذلك في الحرب العالمية الثانية، وتحديداً في معركة كورسك عام 1943، علم الجيش الأحمر السوفيتي بنوايا الحشود الألمانية لشن هجوم واسع، فبدلاً من المبادرة بالهجوم، أنشأ السوفيت خطوط دفاع عميقة ومناطق قتل مجهزة بحقول الألغام والمدفعية المضادة للدبابات، وتركوا المدرعات الألمانية تندفع داخل هذه الممرات المجهزة حتى أُنهك الزخم الهجومي الألماني تماماً وتحطم سلاح المدرعات تحت وطأة القصف السوفيتي المركز، مما فتح الطريق لأكبر هجوم مضاد في الحرب.

 

 

 

بالعودة إلى المشهد في الأبيض، فإن موقف الجيش الذي يتبنى هذا التخطيط يقوم على حسابات دقيقة لكلفة الحرب وعوامل الوقت. إن ترك العدو يحشد ويقترب من نطاق ناري محكم يتيح للقوات المدافعة حسم المعارك بأقل خسائر بشرية ممكنة في صفوف المشاة، والاعتماد الأكبر على القوة النارية التدميرية للمدفعية وسلاح الجو، وهو ما يحول جبهة الأبيض من هدف يسعى التمرد لإسقاطه إلى استنزاف مستمر لقدراته البشرية والتسليحية.

 

محمد مصطفى

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى