
يشكل تحرير بارا وأم سيالة، بالتزامن مع توغل الجيش والقوات المساندة له في المناطق المحيطة بمدينة بارا، محطة مفصلية تعكس تطوراً نوعياً في العقيدة التكتيكية والإستراتيجية للهجمات من قبل متحركات الجيش والمشتركة
لم تكن هذه الحركة مجرد تمدد جغرافيا أو استعادة لنقاط ارتكاز جديدة، بل امتداداً لخطة مركية مُحكمة تعتمد على مبدأ الدهاء العسكري وزعزعة الاستقرار الميداني الخاطف لدى القوات المعادية.
إن الدخول الخاطف والمحسوب لبعض المحاور والتخوم المحيطة بمدينة بارا حمل في جوهره بعداً تكتيكياً بالغ الأهمية يتجاوز مجرد فكرة السيطرة الدائمة على تلك النقاط المحددة؛ فقد تم صياغة هذه التحركات كعمليات إرباك وتشتيت حيوية هدفت بالأساس إلى سحب خطوط الدفاع والتغطية لدى الخصم، وإجباره على إعادة توزيع قواته وتشتيت تركيزه العملياتي. وبمجرد استدراج تلك القوات للرد والتجمع للتعامل مع هذا التهديد الطارئ، ينفتح مجال الرؤية وتتضاعف مكشوفية العدو أمام الضربات المركزية، مما يتيح للجيش والقوات المسانده خنق مراكز الثقل واستنزاف قدراتها اللوجستية والقتالية في كمائن وقنوات إبادة متتابعة.
من الناحية الإستراتيجية، يترتب على استعادة أم سيالة وبارا تفكيك خطوط الإمداد والتواصل التي اعتمدت عليها المليشيات المتمردة لفترات طويلة في قطاعات كوردوفان والولايات المجاورة، وتهديد غرب ام درمان حيث تعد هذه المناطق صمامات أمان ومحاور استراتيجية .
بفقدان الخصم لهذه المرتكزات مع الوقوع في فخ التشتيت والتصحيح الميداني المستمر، يتداعى البناء التنظيمي لقواته، وتنهار معنويات عناصره نتيجة فقدان قدرة التحكم والسيطرة الموحدة، وتحوله من وضعية الهجوم والمباغتة إلى دفاع هزيل يسعى فيه فقط للبقاء.
تؤكد هذه المعركة أن المبادأة الميدانية أصبحت بالكامل في يد الجيش والقوات المساندة، وأن المزاوجة القتالية بين عمليات التحرير الثابتة والتحركات المرنة القائمة على الإرباك والتشتيت، تمثل تحولاً استراتيجياً كفيلاً بسحق القدرات الفاعلة للخصم.
إن مرحلة مابعد أم سيالة وبارا لن تكون كما قبلها، إذ مهد هذا المخطط الذكي لطريق آمن ومفتوح نحو إكمال استعادة بقية المناطق وتأمين خطوط السير والمناطق الحيوية، مما يعزز الاستقرار ويضع القوات المعادية في حالة حصار تدريجي وإنهاك شامل لا مفر منه.
محمد مصطفى
مباركين تحرير بارا















