
وجاءت المباحثات خلال اجتماع وزير الطاقة والنفط السوداني، المهندس المستشار المعتصم إبراهيم أحمد علي، مع مساعد وزير الطاقة السعودي المهندس محمد عبدالرحمن البراهيم، وعدد من قيادات وزارة الطاقة السعودية، على هامش فعاليات منتدى الطاقة الدولي ومؤتمر البترول العالمي في المملكة.
وتركزت المناقشات على فرص التعاون الفني والاستثماري بين البلدين، واستقطاب الشركات السعودية للمشاركة في مشروعات الطاقة بالسودان، بما يساعد على تعزيز أمن الإمدادات، وتطوير البنية التحتية، ودعم جهود إعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي.
أولاً: شراكة مع أرامكو لتأمين إمدادات الوقود
يمثل استيراد المشتقات النفطية أحد أبرز الملفات المطروحة، إذ يسعى السودان إلى بناء شراكة مستدامة مع شركة أرامكو السعودية لتوفير إمدادات منتظمة من الوقود، بما يدعم استقرار السوق المحلية ويحد من مخاطر اضطراب الإمدادات.
وتعود محاولات التعاون في هذا المجال إلى عام 2021، عندما طُرحت تفاهمات بشأن توريد الوقود خلال ملتقى الاستثمار السوداني السعودي في الخرطوم، دون أن تنتهي آنذاك إلى اتفاق نهائي طويل الأجل.
وفي أبريل 2026، كشف السودان عن تلقيه عرضاً من أرامكو لتوريد الوقود، كان قيد الدراسة لدى الجهات المختصة.
وتشير بيانات واردات السودان من المنتجات النفطية السعودية خلال عام 2025 إلى تفاوت ملحوظ في الإمدادات؛ إذ بلغت نحو 51.97 ألف برميل يومياً في يناير، و33.29 ألف برميل يومياً في مارس، قبل أن تسجل صفراً في بعض الأشهر، وفق البيانات الواردة في التقرير.
وتعكس هذه الأرقام أهمية البحث عن ترتيبات أكثر استقراراً لتوفير الوقود، إلا أن تحويل التوجه إلى شراكة مستدامة يظل مرتبطاً بالتوصل إلى اتفاق نهائي يحدد الكميات والأسعار وشروط التمويل والتوريد.
ثانياً: تطوير المربعات النفطية في البحر الأحمر
يتجه التعاون المقترح إلى قطاع الاستكشاف والإنتاج، من خلال بحث فرص تطوير المربعات النفطية في منطقة البحر الأحمر، وتشجيع المستثمرين السعوديين على المشاركة في المشروعات النفطية السودانية.
ويستهدف هذا المسار استقطاب رؤوس الأموال والخبرات الفنية والتقنيات اللازمة لتطوير الموارد النفطية، ورفع كفاءة عمليات الاستكشاف والإنتاج، بما قد يساعد على تعزيز مساهمة القطاع في الاقتصاد السوداني.
لكن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب تقييماً فنياً واقتصادياً للمربعات المطروحة، وتحديد الاحتياجات الاستثمارية، إلى جانب توفير بيئة مناسبة لعمل الشركات، خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بالحرب وإعادة تأهيل المنشآت والبنية التحتية.
ثالثاً: إنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان
يمثل مشروع إنشاء مصفاة لتكرير النفط في بورتسودان أحد الخيارات المطروحة لتعزيز قدرات السودان في مجال التكرير، وتوفير جزء من احتياجات السوق المحلية من المشتقات النفطية.
وتبرز أهمية المشروع في إمكانية تقليل الاعتماد على المنتجات المستوردة مستقبلاً، إذا توافرت له القدرة التشغيلية والجدوى الاقتصادية والإمدادات النفطية اللازمة.
وفي هذا السياق، وقّعت الحكومة السودانية في 10 سبتمبر 2026 مذكرة تفاهم مع مجموعة طويق السعودية للتعاون في قطاع التكرير، تشمل العمل على إعادة تأهيل مصفاة الخرطوم وإنشاء مصفاة جديدة في بورتسودان، وفق المعلومات الواردة في التقرير.
ويمثل الجمع بين إعادة تأهيل المصفاة القائمة وإنشاء منشأة جديدة توجهاً لتطوير قدرات التكرير على المدى الطويل، غير أن نجاح هذه الخطط سيعتمد على حجم الاستثمارات المطلوبة، والجدول الزمني للتنفيذ، وتوفير التمويل والتكنولوجيا والبنية التحتية المساندة.
رابعاً: إعادة تأهيل قطاع الكهرباء
امتدت المباحثات إلى قطاع الكهرباء، الذي يحتاج إلى أعمال إصلاح وإعادة تأهيل للمنشآت والشبكات والمعدات المتضررة جراء الحرب.
وناقش الجانبان إمكان التعاون في توفير المعدات والتجهيزات، وتبادل الخبرات الفنية، وبناء القدرات المحلية، والاستفادة من التجربة السعودية في تطوير منظومات الكهرباء ورفع كفاءتها التشغيلية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة لارتباط الكهرباء بتشغيل المنشآت الصناعية والخدمية، ودعم المستشفيات والمرافق العامة، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة النشاط الاقتصادي.
كما أن إعادة تأهيل القطاع لا تقتصر على إصلاح الأضرار القائمة، بل تشمل تعزيز قدرات الصيانة والتشغيل وتوفير المعدات وقطع الغيار، بما يساعد على تحسين موثوقية الإمدادات على المدى الطويل.
تحركات لاستكشاف فرص التعاون التقني
وعقب الاجتماع، زار وزير الطاقة والنفط السوداني المعرض المصاحب للفعاليات، وشملت جولته أجنحة وزارة الطاقة السعودية وشركات أرامكو والفنار وسابك، للاطلاع على التقنيات والحلول المستخدمة في مجالات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، وبحث فرص الاستفادة منها في تطوير القطاع السوداني.
وتأتي هذه التحركات ضمن مساعي السودان لتعزيز علاقاته الاقتصادية مع المملكة العربية السعودية، والاستفادة من خبراتها وإمكاناتها الاستثمارية في إعادة بناء قطاع الطاقة.
ما الذي يحتاجه السودان لتحويل الخطط إلى مشروعات؟
تختلف المسارات الأربعة من حيث طبيعة التنفيذ والنتائج المتوقعة. فتأمين الوقود يمكن أن ينعكس على السوق المحلية في الأجل الأقرب إذا تم الاتفاق على التوريد، بينما يحتاج تطوير المربعات النفطية وإنشاء المصفاة الجديدة إلى استثمارات ودراسات وأعمال تنفيذية قد تستغرق وقتاً أطول. أما قطاع الكهرباء، فيتطلب خطة لإعادة التأهيل تحدد المنشآت ذات الأولوية والتمويل والمعدات اللازمة.
وتبقى الخطوة الحاسمة هي الانتقال من المباحثات ومذكرات التفاهم إلى اتفاقيات تنفيذية واضحة، تتضمن حجم الاستثمارات، والجهات المسؤولة، والجدول الزمني، وآليات التمويل والمتابعة.
ومن شأن إحراز تقدم عملي في هذه الملفات أن يدعم أمن الطاقة في السودان، ويعزز فرص استعادة الإنتاج والتكرير، ويهيئ البنية التحتية اللازمة للتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.















