طلعت من الجنجويد كيف وإنت ضابط شرطة؟!
أنا طلعت من محلية بحري تحديداً من بيتي في شمبات منتصف شهر 10 سنة 2023م.
التوقيت دا لو الناس بتتذكر كان توقيت حرج جداً، لو رفعت طوبة بتلقى تحتها جنجويدي.
سؤال، أنت ضابط شرطة كيف قدرت تقعد الفترة دي كلها؟ أو بالأصح كيف الفترة دي كلها عدت بدون ما يعرفوك ويعرفوا الجهة البتنتمي ليها ويقبضوك؟
للإجابة على السؤال دا عايزك تعرف إني ما من سكان شمبات الأصليين، وسكنت فيها تحديداً قبل الحرب بتلاتة سنة، وفي التلاتة سنة دي كنت بطلع من بيتي لابس ملكي وبجي داخل بيتي لابس ملكي، وأنا زول انطوائي شديد، ما بحب الزحمة والنقة الكتيرة، بعشق الكتب والكتابة، وما بصاحب بسهولة لأنه غالبية الشباب بتاعين الأيام دي ما بنفعوا معي وما في التقاء أفكار أو اهتمامات، يعني جيراني وناس الحلة ما عارفين أنا شغال شنو، المهم زول خاشي وطالع.
الحاجة التانية ارتباطي الوثيق بمسجد التقوى في الشعبية أهلني أستلم إمامة المسجد بسبب إنه الإمام الراتب ووكيله الاتنين نزحوا مباشرة بعد رمضان الحرب وأنا بقيت الإمام الراتب للمسجد لحدي آخر يوم قبل ما أغادر.
بتذكر آخر صلاة صليتها كانت صلاة الصبح وقلت للمصلين ماشي كرري يومين وجاي إن شاء الله ودي كانت نيتي بالجد إني أمشي كرري أوفق أوضاعي الإدارية في الشغل وأصرف مرتباتي من شهر أبريل سنة 2023م وأجي راجع ومن ديك وعيك.
يعني أنا بقيت معروف عند الجنجويد المتواجدين في محيطنا وحتى ناس الحي بنادوني الشيخ ومولانا وسارت وكانت حائط صد قوي بالنسبة لي.
أها الأيام بقت ماشّة والأسابيع والشهور والحياة كل يوم بتضيق، والناس ديل بقوا يداهموا البيوت والمعرضين كترو، وعمليات الاعتقال والتعذيب والأسر مستمرة، دا كلو ما هز فيني شعرة وكنت متفائل شديد وكل يوم بقول إن شاء الله الإسبوع دا يكون آخر إسبوع.
بعد نهاية الشهر الخامس من الحرب كان في برقيات جات قبلها بفترة إنه النظاميين ينضموا لأقرب وحدة عسكرية ودا كان بالنسبة لينا مستحيل، نحن محاطين بالجنجويد من كل مكان، وإذا الجنجويد بتاعين شمبات والشعبية عرفوني وبقو ما يركزوا معي فأكيد أي مكان أتجه عليهو التعامل حيكون مختلف، الفكرة دي عبارة عن مخاطرة من الدرجة الأولى.
في منتصف شهر ست، اتصل علي دفعتي محمد عبدالله كافونقا، دا ما دفعتي وبس، وكمان فصيلتنا واحدة وصفرتنا في الكلية واحدة، يعني من أقرب الناس لي في الدفعة، اتصل علي قالي بعد دا كان ما طلعت حاتعمل لنفسك مشاكل إدارية.
يا كافونقا أطلع كيف؟
قال لي شوف ليك جلابية كبيرة وعمة كبيرة وسبحة.
ومن هنا كانت الفكرة.
المكالمة دي كانت بعد صلاة العشاء، كلمت المدام: يا مرة، بكرة ماشين كرري.
كيف؟
والله ما عارف لكن نتوكل، الفجر بدري بعد الصلاة طوالي بنطلع.
أهم حاجة وثيقة أو إثبات هوية، البطاقة العسكرية ما بتنفع، الرقم الوطني مكتوب فيهو المهنة ضابط شرطة!
أوف، وبعدين؟
ما نفعتني إلا بطاقة الجامعة من سنة 2010م والصورة ذاتها مغبشة، لكن قلت بتنفع، هم ذاتهم ما بعرفوا يقروا والبقرا فيهم ما بفهم ممكن يتخم عادي.
الصباح بدري مع الأذان الأول جهزنا شنطتنا ولبسنا أمل عمرها كان تلاتة سنة وشوية ولبسنا رزان عمرها كان خمسة سنة وشوية ولبست عمتي وشالي وجلابيتي وشلت سبحتي.
بعد صليت الصبح ودعت ناس الجامع ومرقت، جيت البيت صليت صلاة الاستخارة:
اللهم إن كان خروجي لمحلية كرري خيراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاقدره لي واقدرني له، وإن كان خروجي لمحلية كرري شراً لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري عاجله وآجله فاصرفه عني واصرفني عنه واقدر لي الخير أين ما كان.
شلت أمل في كتفي وشنطتي في يدي والمدام ماسكة رزان في يدها ومرقنا.
مرقنا وأنا في بالي واحد من تلاتة : يا اتقبضت وتم اعتقالي يا أدوني طلقة وكان آخر يوم في حياتي ، يامرقت منهم وطلعت لبر الأمان.
ومع ذلك جاتني سكينة عجيبة ، وربنا ثبتني لدرجة إني كنت أهدأ ما يكون، كنت بسبح وبهلل وبصلي على الرسول وبستغفر من لحظة طلوعي لحدي ما وصلت محلية كرري.
مرينا بعدد كبير جداً من الارتكازات، شكلي ما يوحي أبداً بأني ضابط شرطة أو حتى عسكري، شعري آخر مرة حلقتو كان شهر تلاتة سنة 2023م، كنت رافض فكرة الحلاقة لأنه الحلاقة عند العواليق ديل مرتبطة بالنظاميين، دقني زي ما هي أكتر من سنة، سبحتي طويلة فيها ريحة أمي لأنها سبحتها نستها عندنا في آخر زيارة ليها ربنا يرحمها يا رب.
كنت ماسك السبحة شديد بأطراف أصابعي وبسبح وبهلل وبصلي على الرسول بلساني مابالسبحة لأني ما متعود أسبح بالسبحة.
وصلنا المؤسسة كداري، انتظرنا مواصلات سوق ليبيا البتجي بالمؤسسة ، نص ساعة كاملة البتجي بتكون مليانة، كمية من الناس قاعدين زينا دايرين يتخارجوا.
ياحاج ، عربية جديدة دبل قبين جاية من إتجاه أمدرمان ، مشيت عليهو معي بناتي والمدام، كدمولات قدر الضربة، ماشين وين؟ قلت ليهو ماشي مستشفى النو؟ قالي النو دي وين؟ كدي ولا كدي، وهو بأشر لي شرق باتجاه شارع الإنقاذ قلت ليهو النو كدي واشرت ليهو غرب بالاتجاه المعاكس ، قالي إتفضل لو كنت في طريقنا كنا وصلناك.
رجعت في صفوف المنتظرين وأتنفست ، الناس دي مامريحة حتى لو إتكلم معاك بأسلوب راقي ، تحس بالخباثة كدا والخيانة والغدر ريحتها فايحة.
المنتظرين كتاااار
أنا غايتو من شمبات الجنوبية خليت وراي ناس بسيطين شديد.
بعد النص ساعة قلت للمدام يلا نتوكل كداري وفعلاً مشينا لحدي وصلنا كبري شمبات.
جنجويدي في ارتكاز الجنجويد في الكبري ناداني: يا حاج.
قلت يا رب الطف.
قال لي: اقيف هنا بالشفع الصغار ديل نشوف ليك عربية.
جات حافلة فيها مقعدين، الناس كتيرة لكن ركبوني أنا وبنياتي.
الحافلة اتحركت بينا بالاتجاه التاني لكبري شمبات.
الجنجويد دخلوا الحافلة يفتشوا، كان ما عجبهم شكلك ساي بوقفوك.
وأنا ما وقفت تهليل وصلاة على النبي، ما بتلفت كتير، البعاين لي بعاين ليهو بكل ثبات.
انزلوا كلكم وأي زول ينزل معاهو شنطتو، الحريم بس يقعدن.
داير أنزل واحد منهم قال لي: أنت اقعد يا حاج ما تنزل.
المهم لحدي ما وصلت سوق ليبيا في أم درمان ما نزلوني وما في زول سألني غير جنجويدي حقار كدا في ارتكاز الشهداء.
قال لي: شغال شنو يا حاج؟
قلت ليهو: إمام مسجد.
قال لي: قبل الحرب شغال شنو؟
قلت ليهو: برضو قبل الحرب إمام مسجد.
الحمد لله إني ما كذبت، أنا جد إمام مسجد وكمان خطيب جمعة.
وصلت سوق ليبيا برضو الجنجويد في كل مكان، ركبنا سوق صابرين واتحركنا وسط تفتيش مستمر لحدي ما وصلنا أول ارتكاز جيش.
آآآآآآآآآآآخ، حسيت بالراحة والسكينة، حسيت إني أخيراً طلعت من الموت.
لكن داير أقول ليكم حاجة، التفتيش الفتشوني ليهو في ارتكازات الجيش من أول ارتكاز لحدي ما وصلتا صابرين أكتر من تفتيش الجنجويد، لكن برضو عادي وببتسم وبقول في نفسي فتشوا ساي، الواحد بعد طلع من الجنجويد العوجة دي ما بتجيهو.
كانت أيام الله لا عادا.
الواحد بالجد كان عايش وسط ألغام ومتفجرات وخوف، كان عايش وسط عصابات ممكن يقتلوا لأتفه سبب، الناس دي نحن شفناهم وشفنا تصرفاتهم وعنجهيتهم، شفنا سلوكهم وبربريتهم.
لما وصلت أول ارتكاز جيش اتمنيت إني أكون في الأرض عشان أسجد سجدة شكر، لكن سجدتها بقلبي وبلساني قلت الحمد لله الذي نجاني.
نجاني من حاجات كتيرة من الألم والوجع والجوع والاعتقال، نجاني في زوجتي وفي بناتي، نجاني في إننا عدينا أصعب وأسوأ فترة بدون أي عناء، ماكلين شاربين عايشين.
ولمن نوينا الطلوع واتوكلنا عليه وفقنا وسهل أمرنا.
الطلوع حقنا دا كان مخاطرة كبيرة لكن ما بيدنا حاجة، ما كان ساهل، ربنا هو السهلو علينا ومرقنا.
مرقنا بفضل الله وحفظه.
ربنا هو الحفيظ.
سبحان الله، حتى الخوف الطبيعي ما عشتو، ما عشان أنا شجاع، عشان ربنا هو الثبتني.
وأمكن دا سر في الأذكار الكنت بقولها:
التهليل والتكبير والاستغفار والصلاة على النبي.
















