
كشفت مصادر موثوقة عن تراجع رئيس الوزراء السوداني، البروفيسور كامل إدريس الطيب، عن قرار يقضي باختيار وكلاء الوزارات عبر لجنة الاختيار للخدمة العامة المدنية، وذلك بعد الشروع في تنفيذ الإجراء وطرح إحدى وظائف وكلاء الوزارات للتنافس العام، في خطوة أثارت جدلًا وانتقادات واسعة داخل الأوساط الحكومية.
وبحسب المصادر، فإن القرار كان يستهدف إخضاع اختيار شاغلي مناصب وكلاء الوزارات لآلية التنافس عبر لجنة الاختيار للخدمة العامة المدنية، بدلًا من الاكتفاء بالآليات المتبعة في التعيينات الحكومية. غير أن التوجه واجه اعتراضات من جهات وشخصيات وزارية، ما دفع رئيس الوزراء إلى العدول عنه قبل استكمال تطبيقه على بقية الوزارات.
وأوضحت المصادر أن شخصية وزارية وصفت الإجراء بأنه «خطأ كبير» (Big Mistake)، في إشارة إلى التحفظات التي أُثيرت بشأن الآلية المقترحة لاختيار وكلاء الوزارات، وما صاحبها من انتقادات دفعت إلى إعادة النظر في القرار.
وأضافت أن جهات نافذة داخل مجلس الوزراء كانت قد اقترحت اعتماد لجنة الاختيار للخدمة العامة المدنية وسيلةً لاختيار وكلاء الوزارات، قبل أن تبدأ الخطوات العملية لتنفيذ المقترح، حيث جرى تطبيقه على وظيفة وكيل وزارة الشباب والرياضة، عبر طرح المنصب للتنافس العام.
لكن الخطوة لم تمضِ وفق ما كان مخططًا لها، إذ تراجعت الحكومة عن التوجه عقب موجة من الانتقادات التي طالت القرار. ولم تتضح، وفق المعلومات المتاحة، التفاصيل الكاملة للأسباب التي دفعت إلى التراجع، أو ما إذا كانت الحكومة تعتزم اعتماد آلية بديلة لاختيار شاغلي هذه المناصب خلال المرحلة المقبلة.
ويعيد هذا التطور الجدل بشأن آليات التعيين في المناصب القيادية بالدولة، وحدود تطبيق مبدأ التنافس العام في شغل الوظائف العليا، إلى جانب طبيعة المعايير التي ينبغي اعتمادها عند اختيار المسؤولين التنفيذيين في الوزارات والمؤسسات الحكومية.
التنافس العام في الوظائف القيادية.. تجربة سابقة
وفي سياق متصل، سبق لمجلس الوزراء السوداني أن اتجه إلى طرح عدد من الوظائف القيادية في مؤسسات الدولة للتنافس العام، في خطوة استهدفت إتاحة الفرصة أمام المتقدمين لشغل تلك المناصب وفق إجراءات تنافسية.
ففي نوفمبر 2024، طُرح منصب الأمين العام لديوان الضرائب القومي للتنافس العام، وذلك عقب إقالة المدير العام السابق، محمد مصطفى شرف الدين، القيادي في حركة العدل والمساواة السودانية بقيادة جبريل إبراهيم.
ولم يقتصر التوجه آنذاك على منصب الأمين العام لديوان الضرائب، بل شمل عددًا من الوظائف القيادية في مؤسسات وهيئات وشركات حكومية، بما يعكس اتجاهًا سابقًا نحو الاستعانة بآلية التنافس العام في شغل بعض المناصب العليا بالدولة.
وضمت قائمة الوظائف المطروحة منصب المدير العام لشركة الخطوط البحرية السودانية، والمدير العام لديوان المراجعة الداخلية لأجهزة الدولة القومية، إلى جانب المدير العام لوحدة النقل البري والمعابر، والمدير العام لمصلحة الملاحة النهرية.
كما شملت الوظائف منصب المفوض العام للأمان الاجتماعي والتكافل وخفض الفقر، والمدير العام للهيئة العامة للآثار والمتاحف، فضلًا عن وظائف قيادية في الصندوق الوطني للمعاشات والتأمينات الاجتماعية، والأمانة العامة للمجلس الأعلى للصحافة والمطبوعات، والأمانة العامة للمكتبة الوطنية.
وتكشف هذه السابقة عن استخدام التنافس العام في شغل مجموعة من المناصب القيادية داخل مؤسسات الدولة، فيما يثير التراجع الأخير عن آلية اختيار وكلاء الوزارات تساؤلات بشأن مدى اتساق سياسات التعيين الحكومية، وما إذا كانت الحكومة تتجه إلى تعميم مبدأ التنافس العام على المناصب التنفيذية أم قصره على وظائف محددة.
ويبقى من المنتظر أن تتضح الصورة بصورة أكبر بشأن موقف الحكومة النهائي من آلية اختيار وكلاء الوزارات، وما إذا كان التراجع عن القرار يمثل تعديلًا للإجراء الخاص بهذه المناصب وحدها، أم مراجعة أوسع للنهج المتعلق بالتعيينات في الوظائف القيادية بالدولة.














