اخبار

انشقاقات الدعم السريع ودور السعودية!

بقلم الصحفي السعودي الصادق جاد المولى

للحروب دفاتر كثيرة، واحدٌ للقتلى وآخر للمدن التي تتبدل عليها الرايات، وثالث أقل ظهوراً تسجل فيه أسماء الذين يغادرون صفوفهم إلى الجهة الأخرى، وهذا الدفتر الأخير أخذ يكبر داخل قوات الدعم السريع خلال العامين الماضيين، من قائد معروف في ولاية الجزيرة إلى قادة ميدانيين في دارفور وكردفان، ومن مستشارين ومسؤولي عمليات واستخبارات إلى مجموعات خرجت بعشرات العربات ومئات المقاتلين، حتى أصبحت الانشقاقات خبراً متكرراً يصعب وضعه كل مرة في خانة الحادث المنفرد.

كان أبو عاقلة كيكل أول الأسماء التي أعطت الظاهرة معناها الكبير، ففي 20 أكتوبر 2024 أعلن الجيش السوداني انضمام قائد الدعم السريع في ولاية الجزيرة إليه مع عدد من قواته، ووصفته تقارير «رويترز» وقتها بأنه أول انشقاق لقائد كبير منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وكان وزن الرجل يتجاوز رتبته، فقد عرف الجزيرة وأهلها ومسالكها، وقاد فيها قوات ذات امتداد محلي، ولذلك حمل انتقاله قيمة عسكرية ومعنوية في وقت كانت الولاية واحدة من أهم ساحات القتال في وسط السودان.ا

بعد ستة أيام اتضح أن الباب الذي خرج منه كيكل لا يفضي إلى الميدان وحده، فقد أعلن خمسة من أعضاء المجلس الاستشاري لقائد الدعم السريع انشقاقهم في بورتسودان، وكانوا يتولون ملفات تمتد من شرق السودان إلى الإعلام والتخطيط الاستراتيجي والشؤون القانونية وشباب القبائل، وكانت تلك أول إشارة واضحة إلى أن الخلافات تجاوزت صفوف المقاتلين إلى الدوائر التي شاركت في بناء الجهاز السياسي والإعلامي المحيط بقيادة القوات.

 

ظل كيكل لبعض الوقت الاسم الأثقل في قائمة المغادرين، ثم جاء ربيع 2026 بأسماء يعرفها ميدان دارفور جيداً، ففي أبريل انشق اللواء النور أحمد آدم المعروف بـ«النور القبة» وانضم إلى الجيش، وبعده بأيام ظهر علي رزق الله الشهير بـ«السافنا» معلناً مغادرته قوات الدعم السريع، وهما قائدان ارتبط اسماهما بعمليات عسكرية في دارفور وكردفان، ولذلك أعاد خروجهما السؤال من جديد عن مقدار التماسك داخل الطبقة الميدانية التي صنعت جانباً مهماً من قوة الدعم السريع خلال الحرب.

حمل «السافنا» معه أكثر من خبر انشقاق، فقد تحدث بعد خروجه عن خلافات بين القيادات وعمليات تصفية وإقامة جبرية قال إن قادة داخل الدعم السريع تعرضوا لها، وتبقى هذه الرواية في عهدة صاحبها ولا تكتسب صفة الحقيقة المستقلة من دون أدلة أخرى، غير أن أهميتها جاءت من موقع قائلها، فالمغادر من الصفوف لا يحمل بندقيته وحدها، وقد يحمل معه رواية الداخل وأسماء الغرف التي لا يراها المتابع من الخارج.

ثم ظهر بشارة الهويرة، مسؤول العمليات العسكرية في محور بارا بشمال كردفان وفق مصادر إعلامية، ووصل إلى الخرطوم في مايو بعد انشقاقه مع قادة آخرين، وكانت بارا يومها واحدة من النقاط المهمة في خريطة القتال المتحركة بين كردفان والخرطوم، ولهذا حمل خروج مسؤول العمليات فيها دلالة تتجاوز اسمه، فالقائد في مثل هذا الموقع يعرف مواقع القوة وخطوط الحركة والإمداد، وتصبح خسارته مختلفة عن خسارة مقاتل في طرف التشكيل.

وفي يونيو انتقلت القائمة مرة أخرى من الميدان إلى السياسة بانشقاق فارس النور إبراهيم، الذي عمل مستشاراً لمحمد حمدان دقلو وكان عضواً في المجلس الرئاسي لتحالف «تأسيس»، كما سبق أن عُيّن حاكماً لإقليم الخرطوم من جانب الدعم السريع، وبذلك أصبحت قائمة المغادرين تضم وجوهاً من دوائر مختلفة، عسكريين ومستشارين ومسؤولي عمليات وشخصيات عملت في الواجهات السياسية المرتبطة بالقوة. ثم جاء الصيف وبدأت الأرقام تنافس الأسماء،

ففي 31 يوليو أعلن مصدر عسكري سوداني استسلام 45 عنصراً من قوات الدعم السريع في أم درمان بكامل عتادهم وعدد من المركبات، وكان بينهم قادة قادمون من محور بارا هم عثمان النور ويونس إدريس وعلي الزين، وفي 13 أغسطس أعلنت السلطات المحلية في الدبة وصول مجموعتين تضمان نحو 270 مقاتلاً و21 قائداً ميدانياً و37 عربة قتالية، وهي أرقام مصدرها جهات رسمية سودانية ولم تخضع كلها للتحقق المستقل، لكنها أظهرت انتقال الظاهرة من خروج القائد منفرداً إلى تحرك وحدات ومجموعات بأفرادها وعتادها.

وفي 19 أغسطس جاء اسم اللواء موسى علي أحمد المعروف بـ«موسى خمسين» ومعه الرقم الأكبر في تلك الموجة، إذ أعلنت السلطات السودانية انضمامه إلى الجيش برفقة 318 مقاتلاً ونحو 50 عربة قتالية، ووصلت القوة إلى مدينة الدبة في الولاية الشمالية، وتداولت مصادر متعددة الأرقام نفسها مع الإشارة إلى أن التفاصيل الكاملة لم تخضع لتأكيد مستقل، إلا أن خمسين عربة قتالية، إذا ثبت العدد، تعني انتقال قدرة على الحركة والنار لا مجرد تغيير مئات الأسماء في قوائم الأفراد.

ولم ينته أغسطس قبل ظهور حالة أكثر حساسية من ناحية طبيعة الموقع، ففي آخر الشهر أعلنت مجموعة تقدر بنحو 200 مقاتل بقيادة أبو بكر حمودة دحلوب انضمامها إلى الجيش بكامل تسليحها، وعرّفت المصادر الرسمية دحلوب بأنه قائد شعبة استخبارات المهام الخاصة في شمال كردفان، وللاستخبارات حساب مختلف في مثل هذه التحولات، فصاحب الموقع يعرف شيئاً من الانتشار والاتصال ومسالك الحركة وأسماء الرجال، وهي معلومات لا تظهر في صورة العربة العسكرية لكنها قد تزن أكثر منها في حسابات الميدان.

وفي 25 سبتمبر أضيف الطيب محمد أحمد المعروف بـ«الطيب الوحيدو» إلى القائمة بعد إعلان انشقاق قوة يقودها وانضمامها إلى القوات المسلحة، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السودانية، وقال الرجل إن قراره جاء بعد ما شاهده داخل صفوف الدعم السريع ودعا الآخرين إلى مراجعة موقفهم، ولم يكن الحدث الأكبر عدداً، لكنه جاء بعد سلسلة طويلة من الحالات المتباعدة زماناً ومكاناً، فأعاد التأكيد أن باب المغادرة الذي فتح قبل عامين لم يغلق بعد.

ولا توجد إحصائية مستقلة ونهائية تحصي كل من غادر قوات الدعم السريع منذ اندلاع الحرب، وبعض الأرقام المعلنة مصدرها الجيش أو السلطات المحلية في المناطق الواقعة تحت سيطرته، كما ظلت قوات الدعم السريع تقلل في مناسبات سابقة من أهمية بعض الانشقاقات وتقدم روايتها الخاصة لأسبابها، ولذلك يصعب بناء حكم عسكري نهائي على الأرقام وحدها، غير أن تتابع الوقائع وتنوع مواقع أصحابها يمنح الظاهرة وزناً يتجاوز الدعاية المتبادلة، خصوصاً أن القائمة انتقلت من قائد ولاية إلى قادة جبهات ومستشارين ومسؤول عمليات وضابط استخبارات وتشكيلات كاملة.

 

ويربط محللون اتساع هذه الانشقاقات بجملة من العوامل، بينها تبدل أوضاع الميدان والخلافات بين القيادات والحسابات القبلية والمحلية، وهي عوامل يصعب فصل بعضها عن بعض في حرب تشابكت فيها الجغرافيا بالسلاح والقبيلة بالسياسة، كما يصعب القول إن الانشقاقات وحدها حسمت ميزان الحرب، فقوات الدعم السريع ما زالت تحتفظ بقدرة قتالية وتخوض عمليات في أكثر من جبهة، ولذلك تبدو القيمة الأوضح لهذه الحالات في ما تكشفه عن الضغوط الداخلية بقدر ما تكمن في عدد الرجال والعربات التي انتقلت إلى الطرف الآخر.

يبقى ملف آخر ملازماً لهذه التحولات، فمغادرة التشكيل المسلح لا تغلق تلقائياً ما سبقها من ملفات، وقد طالبت «هيومن رايتس ووتش» السلطات السودانية بالتحقيق في مسؤولية القادة المنشقين عن الجرائم الخطيرة التي قد تكون القوات الواقعة تحت قيادتهم ارتكبتها، وأشارت إلى أسماء بينها النور القبة وعلي رزق الله، معتبرة أن تبدل الولاء العسكري لا يلغي واجب المساءلة، وهي مسألة سيكون لها وزنها في أي ترتيب يأتي بعد الحرب كما كان لها وزنها خلالها.

وهكذا أصبح دفتر المغادرين أوسع من أن تختصره حادثة واحدة، بدأ باسم كيكل ثم أضيفت إليه أسماء القبة والسافنا والهويرة وفارس النور وموسى خمسين ودحلوب والوحيدو، وبين اسم وآخر جاءت مجموعات بأفرادها وعرباتها وسلاحها، ولا تقول هذه الوقائع وحدها إن الحرب وصلت نهايتها، لكنها تقول إن ثمة حرباً أخرى تجري بصمت داخل صفوف المحاربين أنفسهم، والحروب تُعرف بداياتها عادة من صوت الطلقة الأولى، أما الطريق إلى خواتيمها فقد يبدأ في بعض الأحيان بخطوات رجال يغادرون الصف واحداً بعد آخر

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى