أثارت التقارير المتداولة بشأن مقتل وإصابة عشرات المعدّنين السودانيين في غارات جوية استهدفت مواقع للتنقيب عن الذهب قرب الحدود السودانية المصرية، موجة واسعة من التفاعل على منصات التواصل الاجتماعي، وسط مطالبات بكشف ملابسات الحادثة، والتحقيق في الجهة المسؤولة عنها، وتحديد الحصيلة الحقيقية للضحايا.
وتباينت ردود الفعل بين جهات ومنظمات اتهمت القوات المصرية بتنفيذ القصف وطالبت بمحاسبة المسؤولين، وأصوات أخرى دافعت عن حق مصر في حماية حدودها وثرواتها ومكافحة التنقيب غير المرخص. وفي المقابل، برزت تساؤلات بشأن موقع الضربات، وسلامة العاملين في التعدين الأهلي، ومصير المصابين والمفقودين.
ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من جميع الاتهامات والأرقام المتداولة، كما لم تتضمن التقارير المشار إليها تعليقاً رسمياً مصرياً أو سودانياً مباشراً يحسم ملابسات الحادثة.
روايات متباينة بشأن موقع القصف وحصيلة الضحايا
ونقلت هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» عن شهود عيان ومصادر محلية أن أكثر من 60 معدّناً تقليدياً قُتلوا، وأصيب نحو 150 آخرين، جراء قصف جوي استهدف مواقع للتنقيب عن الذهب في منطقة «شمال الوادي» الحدودية بين السودان ومصر.
وبحسب إفادات الشهود الواردة في التقرير، حلّقت طائرات حربية في أجواء المنطقة قبل استهداف مواقع للتعدين في الجبل الأحمر، المعروف محلياً باسم جبل العقيدات، بالقرب من سوق الأنصاري.
وقال شهود إن إحدى الضربات أصابت مجموعة من المعدّنين، وإن عدداً من الضحايا لقوا حتفهم في الموقع، بينما توفي آخرون خلال محاولات إجلائهم. كما تحدثوا عن فرار ناجين إلى مناطق صحراوية متفرقة، واستخدام سيارات الدفع الرباعي لنقل المصابين والضحايا، في ظل محدودية الخدمات الطبية في المنطقة الحدودية.
واتهم منقبون في المنطقة القوات المصرية بتنفيذ الغارات، وربطوا الحادثة باقتراب عمليات التنقيب من نقاط حدودية. غير أن هذه الاتهامات لم تُحسم بتحقيق مستقل وفق المعلومات المتاحة.
وفي سياق متصل، أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» أن حصيلتها الأولية تشير إلى مقتل 72 معدّناً مدنياً سودانياً، متهمة الطيران الحربي المصري بتنفيذ الهجوم داخل الأراضي السودانية، فيما طالبت شبكة أطباء السودان بفتح تحقيق عاجل لكشف الملابسات وتحديد المسؤوليات.
وفي رواية أخرى، نقلت منظمة مناصرة ضحايا دارفور عن أشخاص قالت إنها أجرت مقابلات معهم أن حصيلة القتلى بلغت نحو 200 شخص، مقابل 120 مصاباً، مع نزوح قرابة عشرة آلاف شخص إلى منطقة أدروب، والحديث عن اقتياد 13 معدّناً إلى داخل الأراضي المصرية.
وتظل هذه الأرقام منسوبة إلى الجهات والشهود الذين أوردوها، ولا يمكن اعتمادها بوصفها حصيلة نهائية في ظل التباين الواضح بين الروايات وصعوبة التحقق الميداني.
إدانات ومطالب بمحاسبة المسؤولين
وأثار الحادث ردود فعل سياسية وحقوقية، إذ وصف أمجد فريد، مستشار رئيس مجلس السيادة السوداني، القصف المزعوم بأنه جريمة غير مبررة، مؤكداً أن التعامل مع التجاوزات الحدودية يمكن أن يتم عبر الوسائل القانونية والقنوات الدبلوماسية، دون تعريض حياة المدنيين للخطر.
وأشار فريد، في منشور على منصة «إكس»، إلى وجود قنوات تواصل لمعالجة القضايا الحدودية، وشدد على مسؤولية الدولة عن حماية مواطنيها، رغم التحديات التي تواجهها البلاد بسبب الحرب.
كما طالبت شبكة أطباء السودان ومجموعة محامو الطوارئ بتحقيق مستقل يكشف ملابسات الواقعة، ويحدد المسؤولين عنها، ويوثق أعداد القتلى والجرحى، إلى جانب ضمان حصول المصابين على الرعاية الطبية اللازمة.
وأدانت منظمة مناصرة ضحايا دارفور ما قالت إنه انتهاك للسيادة السودانية، ودعت السلطات السودانية إلى التحرك، كما طالبت باتخاذ خطوات دولية للتحقيق في الحادثة.
وامتد التفاعل إلى تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، الذي أدان الهجوم وحمّل الحكومة المصرية المسؤولية، وفق البيان المنسوب إليه. كما اتهم الباشا طبيق، عضو الهيئة القيادية للتحالف ووزير النفط والطاقة في حكومة السلام الانتقالية، الجيش المصري بتنفيذ القصف.
وطالب طبيق بتحقيق مستقل يشمل الجهة التي نفذت الهجوم، وأي أطراف يثبت تورطها في التخطيط له أو تسهيله، كما دعا الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي إلى التحرك، وشدد على ضرورة الكشف عن الحصيلة الحقيقية وتوفير العلاج للجرحى وتعويض المتضررين.
وتضمنت تصريحاته أيضاً اتهامات باحتمال وجود تنسيق مع قيادة الجيش السوداني، إلا أن المعلومات المتاحة لا تقدم أدلة مستقلة تثبت هذا الادعاء.
أصوات تدافع عن حماية الحدود المصرية
في المقابل، دافعت حسابات على منصات التواصل الاجتماعي عن الإجراءات المصرية الرامية إلى تأمين الحدود ومكافحة التنقيب غير القانوني، مستندة إلى روايات تقول إن بعض المعدّنين تجاوزوا الحدود إلى مناطق غير مصرح لهم بالعمل فيها.
وكتبت فاطمة سعد الحساني أن معدّنين سودانيين سبق توقيفهم وإعادتهم إلى السودان بعد اتهامهم بالتنقيب داخل الأراضي المصرية، وزعمت أنهم حاولوا عبور الحدود مجدداً، وأن القوات المصرية تعاملت معهم في إطار حماية الحدود.
كما اتهمت بعض المنشورات العاملين في تلك المناطق بالارتباط بشبكات تهريب، وهي ادعاءات لم تقدم المادة المتاحة أدلة مستقلة تثبتها.
وركزت حسابات أخرى على حق الدول في حماية مواردها الطبيعية وفرض التصاريح القانونية على أنشطة التعدين، معتبرة أن التنقيب في المناطق الحدودية يخضع لاشتراطات أمنية وقانونية لا بد من احترامها.
وفي السياق ذاته، تداول صحفيون ومستخدمون تقارير عن منشورات تحذيرية قيل إنها وُزعت قرب مواقع التعدين، ودعت المنقبين إلى مغادرة المناطق غير المصرح بها وتسليم أنفسهم ومعداتهم.
لكن هذه المعلومات وردت في إطار تقارير متداولة، ولم تتضمن المادة المتاحة ما يؤكد صدورها عن جهة رسمية أو يحدد صلتها المباشرة بالحادثة الأخيرة.
وكان الجيش المصري قد أعلن في وقت سابق تنفيذ حملات أمنية على الحدود الجنوبية لمكافحة التهريب والهجرة غير النظامية والتنقيب غير القانوني عن الذهب، قال إنها أسفرت عن مصادرة معدات وتوقيف مخالفين. غير أن تلك الإعلانات السابقة لا تشكل تأكيداً أو نفياً للاتهامات المتعلقة بالقصف الأخير.
مطالب بكشف مصير المفقودين وتوثيق الخسائر
وبعيداً عن تبادل الاتهامات، ركز جانب من التفاعل على ضرورة معرفة مصير المعدّنين الذين لم تتضح أوضاعهم، وتحديد أماكن وجود المصابين، والتأكد من أعداد القتلى والمفقودين، فضلاً عن توثيق الأضرار التي لحقت بمواقع التعدين.
وأثار تفاوت الحصائل المعلنة تساؤلات بشأن صعوبة الوصول إلى المنطقة الحدودية، ومدى قدرة الجهات الطبية والحقوقية على جمع المعلومات بصورة دقيقة. كما طالب متفاعلون بضرورة جمع أسماء الضحايا وإحداثيات المواقع والأدلة المادية، بما يساعد على إجراء تحقيق موثوق.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في ظل اعتماد أعداد كبيرة من السودانيين على التعدين الأهلي مصدراً للدخل، وما يحيط بالعمل في المناطق الصحراوية والحدودية من مخاطر تتعلق بالأمن، وبعد المسافة عن المستشفيات، وصعوبة عمليات الإجلاء.
تحقيق مستقل ضرورة لحسم الروايات المتضاربة
تضع الحادثة، وفق الروايات المتداولة، ملف حماية المعدّنين السودانيين في المناطق الحدودية أمام أسئلة تتجاوز تحديد الجهة المسؤولة عن القصف، لتشمل سلامة العاملين، ووضوح الحدود ومناطق التعدين المصرح بها، وآليات التعامل مع المخالفات، ومسؤولية السلطات عن حماية المدنيين.
وفي ظل التباين بين حصائل القتلى والجرحى، وعدم التحقق المستقل من الموقع الدقيق للضربات والجهة المنفذة لها، يبقى التحقيق المستقل السبيل الأهم لتحديد الوقائع، وفحص الأدلة، والاستماع إلى الشهود، وتحديد المسؤوليات القانونية بناءً على نتائج موثوقة.
وإلى حين ظهور نتائج موثقة أو صدور بيانات رسمية واضحة، تظل الاتهامات المتعلقة بالجهة المنفذة، والأعداد النهائية للضحايا، وادعاءات الاعتقال أو التنسيق، مسائل غير محسومة، فيما تبقى حماية العاملين وإجلاء المصابين والكشف عن مصير المفقودين من أبرز القضايا الإنسانية العاجلة المرتبطة بالحادثة.

















