اخبار

ماذا نعرف عن القوة العسكرية السعودية وقدرتها على مواجهة هجمات الحوثيين؟

القوة العسكرية السعودية تتصاعد التساؤلات بشأن القدرات العسكرية للمملكة العربية السعودية، في ظل تجدد التوترات مع جماعة الحوثيين في اليمن، وتزايد المخاوف من انعكاسات الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية على الأمن الإقليمي والاقتصاد وحركة النقل الجوي.

وتستند المملكة إلى ميزانية دفاعية ضخمة، وقوات مسلحة تضم تشكيلات برية وجوية وبحرية، إلى جانب منظومات متقدمة للمراقبة والدفاع الجوي، وشراكات عسكرية مع الولايات المتحدة ودول أخرى. كما تعمل الرياض على تطوير صناعاتها الدفاعية المحلية وتقليل الاعتماد على استيراد الأسلحة، ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

 

لكن حجم الإنفاق العسكري وحده لا يكفي لتحديد قدرة أي دولة على مواجهة التهديدات. فهناك عوامل أخرى تشمل جاهزية القوات، وكفاءة أنظمة الإنذار والاعتراض، واستدامة الإمدادات، وطبيعة التهديدات التي تواجهها الدولة، ومدى قدرتها على حماية مناطق واسعة ومنشآت متعددة في الوقت نفسه.

 

فماذا تكشف الأرقام المتاحة عن الإنفاق العسكري السعودي؟ وما الذي حققته المملكة في مجال توطين الصناعات الدفاعية؟ ولماذا تظل مواجهة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة تحدياً حتى أمام الدول التي تمتلك إمكانات عسكرية كبيرة؟

 

السعودية ضمن أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع

 

تحتل المملكة العربية السعودية موقعاً متقدماً بين الدول الأكثر إنفاقاً على الدفاع، وهو ما يعكس الأهمية التي توليها للأمن القومي وحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.

 

وبحسب دليل التجارة والأعمال الصادر عن إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأمريكية، جاءت السعودية في المرتبة الخامسة عالمياً من حيث الإنفاق الدفاعي عام 2023، خلف الولايات المتحدة والصين وروسيا والهند.

 

وخصصت الميزانية السعودية لعام 2025 نحو 72.5 مليار دولار للإنفاق الدفاعي، وفق بيانات الدليل الأمريكي. ويعادل هذا المبلغ نحو 21.2% من إجمالي الميزانية وفق التقديرات الواردة في المصدر.

 

لكن من المهم التمييز بين المخصصات الواردة في الميزانية والتقديرات الدولية للإنفاق العسكري الفعلي؛ إذ تختلف الأرقام باختلاف منهجية الحساب، والفترة الزمنية، والبنود التي تدخل ضمن الإنفاق الدفاعي.

 

وفي هذا السياق، قدّر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الإنفاق العسكري السعودي بنحو 83.2 مليار دولار خلال عام 2025، بزيادة قدرها 1.4% مقارنة بعام 2024، لتأتي المملكة في المرتبة الثامنة عالمياً وفق بيانات المعهد لذلك العام.

 

ويعكس اختلاف الرقمين ضرورة تحديد المصدر والسنة والمنهجية عند نشر إحصاءات الإنفاق العسكري، بدلاً من التعامل مع جميع الأرقام باعتبارها قياساً واحداً للمخصصات الدفاعية.

 

 

ما الذي تعنيه الميزانية الدفاعية السعودية؟

 

تتيح الميزانية الدفاعية الكبيرة للمملكة تمويل مجموعة واسعة من الاحتياجات العسكرية، من بينها تشغيل القوات المسلحة، وتحديث المعدات، والتدريب، والصيانة، وتطوير البنية التحتية العسكرية، وشراء الأنظمة الدفاعية، وتعزيز القدرات التقنية.

 

غير أن الميزانية لا تعني أن كامل المبلغ يُنفق على شراء أسلحة جديدة؛ إذ يذهب جزء من الإنفاق إلى تكاليف التشغيل والرواتب والصيانة والخدمات اللوجستية، وهي عناصر أساسية لاستمرار جاهزية القوات.

 

كما أن امتلاك معدات عسكرية حديثة لا يضمن وحده تحقيق النتائج المطلوبة في كل الظروف. فالقدرة الفعلية تتأثر بكفاءة الأفراد، والتنسيق بين مختلف التشكيلات، وسرعة تبادل المعلومات، وتوافر قطع الغيار والإمدادات، فضلاً عن طبيعة التحديات الأمنية.

 

وبالتالي، فإن قراءة الأرقام السعودية تتطلب النظر إلى الإنفاق بوصفه أحد مؤشرات القدرة العسكرية، وليس دليلاً مستقلاً على نتيجة أي مواجهة.

 

الاعتماد على استيراد الأسلحة وتحديات تنويع المصادر

 

اعتمدت المملكة تاريخياً بدرجة كبيرة على استيراد الأسلحة والمعدات العسكرية من الخارج، ولا سيما من الولايات المتحدة.

 

ووفقاً لبيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، شكّلت الولايات المتحدة المصدر لنحو 80% من واردات الأسلحة السعودية تاريخياً، بحسب الفترة والمنهجية التي يستند إليها المصدر.

 

وقد أتاح هذا الاعتماد للمملكة الحصول على معدات وتقنيات متقدمة، لكنه جعل استدامة بعض القدرات مرتبطة أيضاً بعلاقاتها مع الموردين الدوليين، وتوافر قطع الغيار والخدمات الفنية، واتفاقيات الصيانة والتدريب.

 

وتبرز أهمية تنويع مصادر التسليح وتطوير الصناعات المحلية في تقليل بعض أوجه الاعتماد الخارجي، وتعزيز قدرة المملكة على صيانة معداتها وتطويرها، فضلاً عن بناء قاعدة صناعية توفر فرص عمل وتنقل المعرفة التقنية إلى الداخل.

 

ومع ذلك، فإن توطين الصناعة العسكرية عملية طويلة الأمد، تتطلب استثمارات في البحث والتطوير، وتدريب الكوادر، وبناء سلاسل إمداد محلية، وتطوير القدرة على إنتاج مكونات وأنظمة متقدمة بصورة مستدامة.

القوة العسكرية السعودية رؤية 2030 وتوطين الصناعات العسكرية

 

وضعت السعودية توطين الصناعات الدفاعية ضمن أهداف التحول الاقتصادي المرتبطة برؤية 2030، مستهدفة توطين 50% من الإنفاق على المشتريات العسكرية بحلول عام 2030.

 

وتتولى الهيئة العامة للصناعات العسكرية (GAMI) أدواراً تنظيمية وتطويرية في القطاع، بينما تعمل الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) على تطوير الأعمال الدفاعية المحلية والدخول في شراكات ومشروعات صناعية.

 

وبحسب دليل التجارة الدولية الأمريكي المنشور في مايو 2026، وصلت نسبة المحتوى الدفاعي المحلي إلى 19.35% وفق البيانات الواردة فيه.

 

ويشير هذا الرقم إلى وجود تقدم في مسار التوطين، مع استمرار الفجوة بين المستوى المحقق والهدف المعلن لعام 2030.

 

وتتجاوز أهمية هذا البرنامج مجرد إنتاج بعض المعدات داخل المملكة؛ إذ يشمل تطوير الخبرات الفنية، وتوسيع قاعدة الموردين المحليين، وتعزيز قدرات الصيانة والإصلاح، وتوفير فرص لنقل التقنية عبر الشراكات الدولية.

 

ومن الناحية الاقتصادية، يمكن أن يساعد توطين الصناعات الدفاعية في إبقاء جانب أكبر من الإنفاق داخل الاقتصاد المحلي، لكنه يتطلب استثمارات مستمرة وقدرة على المنافسة من حيث الجودة والتكلفة والابتكار.

 

 

 

 

تختلف التحديات التي تفرضها الصواريخ والطائرات المسيّرة عن بعض التهديدات العسكرية التقليدية؛ فالدفاع عن دولة واسعة المساحة يتطلب مراقبة مستمرة، وقدرة على اكتشاف التهديدات وتقييمها والاستجابة لها، مع حماية المنشآت المدنية والاقتصادية والعسكرية.

 

وقد أظهرت التطورات المرتبطة بالصراع في اليمن أن امتلاك معدات عسكرية متقدمة لا يلغي احتمالات تعرض المنشآت الحيوية للتهديد، ولا يضمن منع جميع الهجمات.

 

وتناولت تقارير صحفية حديثة الهجمات التي استهدفت مواقع سعودية، بما في ذلك منشآت مرتبطة بالنقل الجوي والطاقة، مشيرة إلى التحديات التي تفرضها الهجمات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسيّرة على منظومات الدفاع.

 

وفي تحليل نشرته وكالة رويترز في 15 أكتوبر 2026، تناولت الوكالة تطور قدرات الحوثيين على تنفيذ هجمات ضد أهداف داخل السعودية، ودور الخبرة المتراكمة والدعم الخارجي في تطوير قدراتهم العسكرية. كما ناقش التقرير الضغوط التي يمكن أن تتعرض لها منظومات الدفاع عند مواجهة تهديدات متزامنة ومتكررة.

 

ولا يعني ذلك أن الدفاعات السعودية عاجزة عن التصدي للهجمات، كما لا يعني أن امتلاك منظومات متقدمة يضمن اعتراض جميع التهديدات. فالنتائج تتغير بحسب طبيعة الهجوم وظروفه، ومدى الجاهزية، والمعلومات المتاحة، والقدرة على مواصلة الدفاع على المدى الطويل.

 

 

أهمية الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية

 

تكتسب منظومات الدفاع الجوي أهمية كبيرة في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، خصوصاً في ظل تنوع التهديدات الجوية الحديثة.

 

ولا تقتصر مهمة الدفاع الجوي على امتلاك أنظمة الاعتراض، بل ترتبط أيضاً بقدرات الرصد والإنذار المبكر، والتنسيق بين الجهات المعنية، وتقييم المخاطر، وضمان استمرار عمل المنظومات وتوافر الإمدادات اللازمة لها.

 

وتواجه الدول التي تعتمد على منظومات اعتراض متقدمة تحدياً اقتصادياً ولوجستياً عندما تتكرر الهجمات؛ لأن تكلفة التصدي للتهديدات، والحاجة إلى المحافظة على المخزون الدفاعي، قد تفرضان ضغوطاً إضافية على الميزانيات والإمدادات.

 

وفي المقابل، تظل المقارنة بين تكلفة الهجوم وتكلفة التصدي له غير كافية وحدها لتقييم الأداء العسكري، إذ يجب أيضاً النظر إلى الأضرار التي جرى منعها، ومدى حماية المدنيين والمنشآت، وقدرة الدولة على الحفاظ على الخدمات الأساسية.

 

وبالنسبة إلى السعودية، ترتبط حماية المنشآت الحيوية بأهمية اقتصادية تتجاوز الجانب العسكري، نظراً إلى دور قطاع الطاقة والنقل والخدمات في الاقتصاد الوطني، وإلى ارتباط استقرار هذه القطاعات بثقة المستثمرين واستمرارية الأنشطة التجارية.

 

 

تمثل الشراكات الدولية أحد مكونات السياسة الدفاعية السعودية، سواء في مجال شراء المعدات أو التدريب والصيانة وتبادل الخبرات والتعاون الأمني.

 

وتكتسب هذه الشراكات أهمية إضافية في الأزمات التي تتطلب تبادل المعلومات والتنسيق بين الدول، كما يمكن أن تسهم في توفير الدعم الفني والإمدادات اللازمة لاستمرار عمل المعدات العسكرية.

 

لكن الاعتماد على الشركاء الدوليين يظل مرتبطاً باعتبارات سياسية واقتصادية واتفاقيات محددة، ولا يمكن افتراض أن جميع أشكال الدعم ستكون متاحة في كل الظروف أو بالدرجة نفسها.

 

ولهذا، فإن تطوير القدرات المحلية وتنويع الشراكات يمثلان مسارين متكاملين في بناء قدرة دفاعية مستدامة، بدلاً من النظر إلى الصناعة المحلية والاستيراد باعتبارهما خيارين متعارضين.

 

هل تكفي الأرقام للحكم على قدرة السعودية العسكرية؟

 

تقدم أرقام الإنفاق الدفاعي صورة مهمة عن حجم الموارد التي تخصصها المملكة لقواتها المسلحة، لكنها لا تكفي وحدها لتحديد مدى قدرتها على مواجهة كل أشكال التهديدات.

 

فالحكم على القدرة الدفاعية يتطلب النظر إلى مجموعة من المؤشرات، تشمل الجاهزية، والتدريب، وكفاءة القيادة والتنسيق، واستدامة الإمدادات، وقدرات المراقبة والإنذار، وحماية المنشآت الحيوية، إلى جانب القدرة على التعامل مع التهديدات المتغيرة.

 

كما ينبغي التمييز بين عدد المعدات التي تمتلكها الدولة وبين مدى جاهزيتها للاستخدام، وبين امتلاك التقنية والقدرة على صيانتها وتطويرها بصورة مستقلة.

 

وفي المقابل، لا يصح التقليل من أهمية الموارد المالية والشراكات الدولية؛ فهي عناصر أساسية في بناء القدرات العسكرية وتحديثها، لكنها تعمل ضمن منظومة أوسع تتداخل فيها الاعتبارات الفنية والاقتصادية والأمنية.

 

 قوة الإنفاق واختبار الاستدامة

 

تكشف البيانات المتاحة أن السعودية تخصص موارد مالية كبيرة للدفاع، وتعمل على تحديث قدراتها العسكرية وتعزيز صناعاتها المحلية، مع استمرار اعتمادها على شركاء دوليين في جوانب من التسليح والتقنية.

وتوضح الأرقام أيضاً أن برنامج توطين الصناعات العسكرية يمثل مشروعاً طويل الأمد، يستهدف زيادة المحتوى المحلي وتعزيز الاستقلالية الصناعية، لكنه لا يزال في مرحلة الوصول التدريجي إلى مستهدفات رؤية 2030.

 

أما في مواجهة التهديدات المرتبطة بالصراع في اليمن، فإن حجم الميزانية وحده لا يحسم التقييم. فالمعيار الأهم يتمثل في قدرة المنظومة الدفاعية على حماية السكان والمنشآت، والاستمرار في أداء مهامها، والتكيف مع تغير طبيعة التهديدات.

 

وبين الموارد المالية الكبيرة وتحديات الأمن الإقليمي، يبقى تقييم القدرة العسكرية السعودية مرتبطاً بمزيج من الإنفاق والجاهزية والتقنية والاستدامة، وليس برقم واحد أو ترتيب دولي منفرد.

 

المصادر الرئيسية: إدارة التجارة الدولية التابعة لوزارة التجارة الأمريكية، ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام، ووكالة رويترز.

 

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى