
في حكاية تعكس حجم الفوضى التي تعيشها العاصمة السودانية الخرطوم بعد الحرب، عاد مواطن سوداني إلى منزله الذي نزح منه بسبب القتال، ليفاجأ بأسرة غريبة تستوطنه وتعيش فيه، وتدعي أنها اشترته بشكل قانوني بمبلغ 16 مليار جنيه سوداني، عبر سمسار عقاري.
بدأت القصة المأساوية عندما وصل المواطن إلى منزله الواقع في أحد أحياء الخرطوم، وبعد أشهر من النزوح بسبب الحرب، ليفتح باب منزله بمفتاحه الخاص، لكن الصدمة كانت بانتظاره: فتحت له باب المنزل فتاة صغيرة، أخبرته بكل ثقة وهدوء أن هذه “دارنا” (منزلنا)، وأنهم هم السكان الجدد. يقول المواطن إنه في تلك اللحظة “شك أنه أضل الطريق من فرط الصدمة”، وتأكد من عنوان منزله أكثر من مرة قبل أن يستوعب ما حدث.
قصة الشراء: سمسار وعقد مزور وسائق “ركشة” يبيع منزلًا بـ16 مليارًا
عندما تمكن المواطن من التواصل مع والدة الفتاة (ربة الأسرة المستوطنة) هاتفيًا، فوجئ بتأكيدها أنهم اشتروا المنزل بشكل “قانوني” عن طريق سمسار عقاري، ودفعوا فيه مبلغ 16 مليار جنيه سوداني. وأضافت أنها تمتلك “عقد بيع” وأوراقًا تثبت ملكيتها للمنزل.
لكن صاحب المنزل الحقيقي أصيب بصدمة ثانية عندما علم أن المبلغ الذي دُفع لشراء منزله هو “16 مليار جنيه”، مؤكدًا أن هذا المبلغ “زهيد جدًا ولا يمت للقيمة الحقيقية للعقار بصلة”، خاصة في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار العقارات في الخرطوم، والتي تقدر قيمتها بمئات المليارات في المناطق الحيوية.
كشف الخدعة: سائق “ركشة” هو البائع والأوراق مزورة
مع تقدم التحقيقات الأولية التي أجراها المواطن بنفسه قبل اللجوء للشرطة، اكتشف حقيقة صادمة: الشخص الذي قام بـ”بيع” منزله هو “سائق ركشة” ، لا علاقة له بالعقار ولا يمتلك أي مستندات تثبت ملكيته. والأسوأ من ذلك، أن الأوراق التي بحوزة الأسرة المستوطنة (عقد البيع والإيصالات) هي “أوراق مزورة” بالكامل، ولا تحمل أي شهادة بحث رسمية من الجهات المختصة، ولا أي مستندات قانونية صحيحة تثبت عملية البيع.
اللجوء للشرطة وبلاغ رسمي
أنهى المواطن قصته المريرة بفتح بلاغ رسمي لدى الشرطة، يتهم فيه السمسار وسائق الركشة (البائع المزعوم) بالنصب والاحتيال وتزوير المستندات، والاستيلاء على منزله. كما طالب بإخلاء الأسرة المستوطنة من منزله فورًا، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تسبب في هذه الكارثة.
فوضى أملاك الخرطوم بعد الحرب
هذه الحادثة ليست الأولى من نوعها في الخرطوم ما بعد الحرب، حيث تزايدت حالات الاستيلاء على المنازل والأراضي والعقارات، في ظل غياب الأمن وانهيار السجلات العقارية وتشرد ملايين النازحين. وتستغل عصابات متخصصة في النصب العقاري هذه الفوضى لبيع أملاك الغير بعقود مزورة، مستخدمة سماسرة ومكاتب عقارات وهمية، وضحاياها غالبًا ما يكونون نازحين أو مواطنين بسطاء لا يملكون وسائل للحماية القانونية.
ويطالب ناشطون حقوقيون السلطات القضائية والأمنية بالتحرك العاجل لوقف هذه الظاهرة الخطيرة، وحماية أملاك المواطنين، وإعادة النظر في آليات توثيق العقود والتسجيل العقاري، ومحاسبة كل من تسول له نفسه التعدي على ممتلكات الغير في هذه الظروف الاستثنائية.
















