
تشهد بحيرة النوبة في منطقة وادي حلفا، شمال السودان، ظاهرة بيئية خطيرة ومفزعة تتمثل في نفوق أعداد كبيرة جداً من الأسماك بمختلف أنواعها على ضفاف البحيرة وعلى امتداد النيل شمالاً وجنوباً، مما أثار حالة من الذعر والغضب بين المواطنين الذين اعتبروا أن ما يحدث ليس مجرد “نفوق عادي للأسماك”، بل هو “مرآة تعكس فصلاً مرعباً من فصول إبادة بيئية وصحية صامتة تُمارس ضد إنسان المنطقة”.
يقول المواطنون إن تكدس أجساد الأسماك النافقة بمختلف أصنافها وأحجامها يؤكد بشكل قاطع أن مياه البحيرة تتسمم ببطء، وحياتهم تستباح بصمت، وأن الربط بين ما نراه اليوم من موت جماعي في البحيرة وبين حالات مرض “السرطان” التي باتت تفتك بأهل المنطقة بصورة غير مسبوقة ومفزعة، ليس ضرباً من الظنون أو المبالغات، بل هو صرخة منطق وأنين طبيعة ترفض تجاهل القاتل الحقيقي.
يحذر المواطنون من أن هذه البحيرة التي تلفظ فيها الثروات السمكية اليوم، هي ذاتها الوريد الذي يغذي بيوتهم بمياه الشرب، ويتساءلون بمرارة: كيف لنا أن نغمض أعيننا عن مادة “السيانيد” شديدة السمية وغيرها من السموم الكيميائية الخطيرة المرتبطة بشكل مباشر بالتعدين العشوائي عن الذهب في المنطقة؟ وكيف نصمت أمام مشهد “التناكر” التي لا تتوقف عن سحب المياه من البحيرة لتزويد مناطق التعدين بها، لتعود إلينا محملة وملوثة ببقايا السيانيد ومحملة بالموت البطيء لتفرغه في مصدر شربنا، في دورة خبيثة وقاتلة تزرع الأورام السرطانية في أجساد الصغار والكبار على حد سواء؟ إن المأساة الحقيقية برأي المواطنين تكمن في أن مواطن وادي حلفا الصابر المحتمل لم ينل من هذا التعدين العشوائي ولا من شركات الذهب سوى التلوث، والأمراض الخطيرة والموت المحقق، وضياع الموارد الحيوية التي كانت تشكل مصدر رزق الكثيرين، بينما تذهب الأرباح الطائلة بعيداً لتملأ خزائن من لا تهمهم حياتهم ولا صحتهم، ويبقى لنا نحن “السم” المتفشي في الماء، وداء “السرطان” الذي يطرق كل باب دون استثناء، وجثث الأسماك التي تذكرنا كل يوم بمصيرنا القادم إذا استمر هذا الصمت المخزي من قبل الجهات المعنية.
من جانبهم، يطالب السكان الجهات الرقابية والصحية بالتحرك الفوري، ويؤكدون أن صمتهم أمام هذا الغزو الكيميائي لمياهنا هو جريمة تواطؤ مكتملة الأركان، وهم لا يطالبون فقط بالتحقيق العاجل في أسباب نفوق الأسماك، بل يطالبون بوقف فوري للعبث بشريان الحياة الذي لا تعوض، ويقولون إن الأسماك نبهتهم بموتها وأوجعتهم حالات السرطان بانتشارها، ويتساءلون: هل ننتظر حتى تصبح حلفا مدينة أشباح خالية من سكانها، أم أن هناك من يملك الشجاعة الكافية ليقول “كفى” لشركات الموت وتجار السموم الذين يتاجرون بصحة الناس وحياتهم من أجل الربح السريع؟
في المقابل، قدم أحد الخبراء تفسيراً علمياً مغايراً للظاهرة، وقال إن ما يحدث حالياً في بحيرة النوبة من تغير لون المياه إلى الأخضر الداكن وظهور نفوق كبير في الأسماك، هو في الغالب نتيجة ظاهرة معروفة علمياً تُسمى “الانفجار الطحلبي” أو “المد الأحمر”. وأوضح أن هذه الظاهرة تحدث عندما ترتفع درجات الحرارة بشكل كبير وتهدأ حركة المياه الطبيعية، مع وجود مواد مغذية بكثرة في البيئة المائية، فتتكاثر الطحالب بشكل كبير جداً خلال فترة قصيرة جداً، مما يؤدي إلى تغير لون الماء إلى الأخضر أو الأحمر. المشكلة لا تقف عند اللون فقط، بل إن هذه الطحالب الضارة تستهلك كميات كبيرة من الأكسجين الذائب في الماء، خاصة خلال ساعات الليل، مما يؤدي إلى انخفاضه لمستويات لا تستطيع الأسماك تحملها على الإطلاق، فتختنق وتموت بأعداد كبيرة، كما أن تحلل الطحالب بكميات هائلة يؤدي إلى ظهور رغوة بيضاء على سطح المياه، وهو ما تم رصده فعلاً في بعض مناطق البحيرة.
بخصوص الحديث عن السيانيد وتلوث مياه البحيرة به، أشار الخبير إلى أن هناك آراء تربط ما حدث بوجود مادة السيانيد نتيجة نشاط التعدين العشوائي في المنطقة، ولكن من الناحية العلمية البحتة، فإن السيانيد مادة سامة جداً وقاتلة، وإذا كان هو السبب المباشر لنفوق الأسماك، فإن النفوق يكون مفاجئاً وشاملاً وكاملاً دون أن يسبقه أي تغير واضح في لون المياه أو ظهور طحالب أو رغوة. كما أن السيانيد لا يسبب اللون الأخضر أو ظاهرة الرغوة البيضاء بالشكل الملحوظ حالياً في البحيرة، ومن المهم أيضاً ملاحظة أن نشاط التعدين في المنطقة موجود منذ سنوات طويلة، ولو كان هناك تسرب مستمر وخطير من مادة السيانيد، لكانت مثل هذه الحوادث تتكرر بشكل أوضح وعلى مدى زمني أطول، وليس بشكل مفاجئ فقط في هذا التوقيت المحدد. وأشار الخبير إلى ملاحظة تغير لون الأحشاء الداخلية للأسماك النافقة، خاصة الكبد والمرارة، إلى اللون الداكن جداً أو المسود، مع وجود احتقان واضح، وهذه العلامات تتماشى أكثر مع السموم الطحلبية التي تضرب الكبد مباشرة، أو نتيجة العفن والتحلل البكتيري السريع بعد الموت الناتج عن نقص الأكسجين، وليس مع التسمم بالسيانيد الذي يكون فيه الدم فاتح اللون (أحمر كرزي) لأن السيانيد يمنع الخلايا من استهلاك الأكسجين فيبقى في الدم.

















