
ياسين عمر يكتب: (إخوانا السياسيين) وزغاريد الجاكومي عشر ملاحظات
1. اتصالا بقراءتنا السابقة حول تساؤل (ماذا يريد الرئيس البرهان؟)، أعود اليوم لتفكيك الدلالات العميقة مجددا لوصف رئيس مجلس السيادة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لبعض القوى المدنية بعبارة (إخوانا السياسيين) وهو توصيف يأتي في ذروة تباين المواقف الوطنية حيث انقسمت تلك القوى بين تيارٍ آثر (الحياد) أمام معاناة الشعب السوداني تحت وطأة رصاص مليشيا الدعم السريع، وبين آخر تجاوز الصمت نحو تماهٍ علني مع التمرد ومواقف ملتحقة بمشروعه، إن هذه العبارة ليست مجرد وصف عابر، بل هي مفتاح لفهم التحولات القادمة في كيمياء العلاقة بين العسكر والمدنيين (مدنيين قحت وصمود) أو دون ذلك، وتوطئة لمشهد سياسي جديد يتشكل خلف الستار
2. على الرغم من ثقل العبارة (إخوانا السياسيسن) ودلالتها، وصدورها عن رأس الدولة، فإن التفسير العملي والأكثر وضوحاً لمعناها يتجلى في تلك المشاهد التي جمعت بين الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي ورئيس الوزراء السابق د. عبد الله حمدوك، حيث بدت ملامح الود وتبادل الابتسامات وكأنها تعكس تحولات أعمق في طبيعة العلاقات السياسية، هذا المشهد، في تقديري، لا يحمل عنصر المفاجأة فاستقبال شخصيات ذات خلفيات عسكرية بارزة، مثل اللواء النور قبة، ومن قبل اللواء أبو عاقلة كيكل، يشير إلى أن سقف الانفتاح السياسي قد ارتفع، بما يجعل اللقاء مع شخصيات أقل حدة في مواقفها أمراً طبيعياً ضمن هذا السياق.
3. وصف الرئيس #البرهان لأولئك بـ (إخوانا السياسيين) يمكن قراءة باعتباره تعبيراً عن قدر من الشجاعة السياسية، واستعداد لتحمل كلفة القيادة في مرحلة معقدة، تتطلب إعادة صياغة العلاقات وبناء جسور تواصل تتجاوز الاعتبارات التقليدية، تمهيداً لمرحلة قد تُبنى على التفاهمات أكثر من المواجهات.
4. عزيزي القارئ، هل تأملت حجم الدهشة التي ارتسمت على وجوه قيادات سياسية ورموز ارتبطت طويلاً بمشروعات الخارج، وهي اليوم تلتف حول محمد سيد أحمد الجاكومي؟ ذلك الرجل الذي يقف في الصفوف الوطنية دفاعاً عن مجتمعٍ انتهكت كرامته، وتعرض لجرائم لا تُحصى ولا تعد، هل رأيت كيف تزغرد (الخالة) تهاني عباس احتفاء بذلك اللقاء، وكأنها تعبير عن نشوة غير متوقعة أو حلم طال انتظاره، لكنها في نهاية المطاف تظل واحدة من تجليات السياسة، حيث تتقاطع المصالح وتذوب التناقضات في أكثر الصور إثارة للجدل.
5. قد يبدو هذا المشهد، بكل ما فيه من تناقضات، قبيحاً وصادماً بل ومزعجاً لقطاع واسع من الناس، خاصة وأن كلفته السياسية والأخلاقية قد تصدرها الأستاذ محمد سيد أحمد الجاكومي والمثير للجدل دوماً الأستاذ والحبيب مبارك #أردول بكل ما عليهما من ملاحظات، ومع ذلك، وعلى عِلاته، فإنه يظل من أكثر المشاهد جمالاً في الآونة الأخيرة لأنه يحمل في جوهره بشارة أولى بإمكانية كسر الجمود وفتح نافذة في جدار الأزمة، فالسلام يبدأ بإشارات صغيرة، بلقاءات عابرة، بابتسامة متبادلة، وربما بتلك القيمة البسيطة التي يختزلها المعنى الديني العميق: (تبسمك في وجه أخيك صدقة) وهو من المقاصد السامية لمؤتمر برلين ويحمد لهؤلاء أن قاموا بها على الوجه الأكمل.
6. ومن السذاجة السياسية الاعتقاد بأن الحروب تُحسم دائماً بمنطق الانتصار الكامل أو الخسارة المطلقة؛ فليس من الضروري في العمل العسكري أن تكسب كل المعارك لتكون قوياً، والتجارب الدولية ماثلة، حيث جلست قوى كبرى إلى طاولات التفاوض مع خصومها رغم سنوات من العداء ومؤخرا بجلوس أمريكا وإيران.
7. إن الرهان على أن هذه الحرب ستنتهي بالمجد للبندقية أو بعودة الحكم العسكري الصرف هو رهان يفتقر إلى قراءة واقعية لتعقيدات المشهد، هذه الحرب ستنتهي إلى حيث بدأت بهتافات الشوارع والنشيد وعلى أنغام (الليله تسقط بس رص العساكر رص) الذي أصبح رمزاً لإرادة التغيير، ولهذا، فإن هذا المشهد (رغم غرابته) ليس نهاية القصة، بل قد يكون مجرد تمهيد لعودة ذات المشاهد، وربما بذات اللاعبين، ولكن في سياقات جديدة تفرضها ضرورات الواقع وضغوط التسوية.
9. أرى أن عودة د. عبد الله #حمدوك إلى رئاسة مجلس الوزراء أصبحت أقرب من أي وقت مضى، خاصة إذا ما نظرنا إلى طبيعة الشرعية التي جاءت بالرئيس الفريق عبد الفتاح البرهان نفسه، فهي ذاتها التي مهدت الطريق سابقاً لقدوم (المؤسس) د. حمدوك، ما يجعل إعادة إنتاج ذات المعادلة أمراً وارداً في سياق التسوية المرتقبة و لا يمكن استبعاد دخول الشفيع خضر كطرف منافس على هذا الموقع، خصوصاً إذا ما رجحت كفة مراكز النفوذ التي تدفع باتجاه إعادة تشكيل المشهد المدني وفق توازنات جديدة، كما تبرز مؤشرات على إمكانية عودة م. خالد عمر يوسف إلى موقعه السابق وزيراً لشؤون مجلس الوزراء، ولو بعد حين، ضمن ترتيبات إعادة بناء الجهاز التنفيذي، هذه التحركات، التي تبدو وكأنها تُطبخ على نار هادئة، إذا ما اكتملت ووصلت إلى خواتيمها، فمن المرجح أن تُفضي إلى نهاية ما يُعرف بحكومة (الأمل)، لتُفتح بذلك صفحة سياسية جديدة تعيد رسم ملامح السلطة في البلاد وفق معادلات ما بعد الحرب.
10. إذا اكتمل هذا المشهد بذلك فمن غير المرجح أن يواجه معارضة تُذكر من المؤسسة العسكرية، ما دامت القوى المدنية الحاكمة تتجنب الاقتراب من دوائرها الخاصة أو التدخل في خصوصياتها، كما أنه لن يلقى مقاومة حقيقية من بقايا النظام السابق وحلفائه، إذ أن موازين الواقع قد تدفعهم إلى التعايش مع الأمر الواقع أكثر من مواجهته، وفي ظل هذا الوضع، قد يستمر الحكم بصيغته الهجينة لفترة انتقالية أخرى، يتم خلالها ترتيب المسرح السياسي وتهيئة المناخ لانتخابات قادمة، حينها، سيكون الخيار بيد الشعب ليحدد من يحكمه وكيف تُدار الدولة، أو ربما تؤول النتائج إلى صعود الفريق عبد الفتاح البرهان إلى سدة الرئاسة، في سياق تحقيق رؤيا والده.

















