اخبارمقالات الرأى

سهير عبد الرحيم حسن ….غسال عربيتي

بعيداً عن السياسة

خلف الأسوار
سهيرعبدالرحيم
حسن ….غسال عربيتي

حسن شاب نحيل أسمر اللون في أوائل الثلاثينيات من العمر، تعرّفت عليه قبل عشر سنوات، وأنا أراه يغسل السيارات في مجمّع أبراج النيلين بالخرطوم( 2).

كنت أتوجّس كثيراً من التعامل مع الغرباء، وأتساءل: أيّ الغسّالين يمكن أن أثق به؟ وأترك له مفتاح سيارتي؟خاصةً بعد عدة حوادث ومواقف ليست جيدة.

ذلك حتى التقيت حسن، تعاملت معه مرة واثنتين، وهكذا، مرة تلو الأخرى اكتسب ثقتي، وأصبحت طيلة عشرة أعوام لا أغسل سيارتي إلا عنده، ولا أتأمن أحداً على مفاتيحها سواه، وإن لم أجده لا أغسلها.

في البدء، كان بقية الغسّالين يشعرون بالضيق ويقولون لي إنه ينبغي أن أجرب غسيلهم، وأنهم يؤدّون واجبهم كما حسن، و من الممكن أن يجاملوني في السعر، كنت أعتذر بلطف، وأشعر بالحرج من ملاحقتهم لي.
حتى أصبحوا متصالحين مع الفكرة وحين يشاهدونني يركضون في الأرجاء بحثاً عن حسن، و ينادونه من بعيد “ياحسن”الأستاذة جات”، أو يخبرونني أنه ذهب للصلاة في المسجد، أو أنه خارج الأبراج، وحين عودته سيخبرونه ليأتي إلى مكتبي.

حسن لم يكن يغسل السيارة فقط، بل كان يساعدني في البحث عن فتيات النظافة كثيرات التمرّد، واللائي كانت اسعارهن في ازدياد متواتر، لم تكن تعنيني كثيراً القيمة المادية التي أدفعها بقدر ما كان يعنيني مستوى النظافة.

أدرك حسن مواصفاتي، فصار يقول لي: “البت دي شغلها نظيف شديد، شغالة في مكتب ناس فلان”، أو: “في بت ممتازة جرّبي نظافتها.

تغيرت فتيات النظافة في مكتبي، ولكن حسن لم يتغيّر، كنت أغيّر موديل سيارتي لكنني لم أغير حسن، وفي فترة كنت أقود سيارة لاندكروزر موديل العام؛ لم تكن سيارتي، بل كانت سيارة شريكي في العمل، تركها لي في إحدى سفرياته.

كانت السيارة فخمة و باهظة الثمن، وكان حسن سعيداً بها، يغسلها بحب، و يقول لي: ” يا أستاذة، أشتري واحدة زيها، دي حديدة دسيسة”، كنت أضحك وأقول له: ليست من أولوياتي الآن، لديّ التزامات أهم.

ثم يطالب حسن بزيادة سعر الغسيل، و يقول: سعر السنتافي مازي الكروزر.” كنت أضحك وأقول له “ليست سيارتي ياحسن تذكّر”.

ثم وفي كثير من المرات، صادف موعد عودتي إلى بيتي مساءً فراغ حسن من عمله، وست الشاي التي تجلس أمام البرج( 80) في أبراج النيلين؛ كنت أوصلهما في طريقي، ويشاركانني بعض تفاصيل همومها، وأجتهد ما استطعت المساعدة.

قبل فترة، وصلتني صور مكتبي في أبراج النيلين، وماحاق به من دمار، كحال بقية المواطنين. وعلمت مع الأسف، أن بعض من كانوا يعملون في وظائف النظافة وغسل السيارات بالأبراج كانوا متعاونين مع الميليشيا التشادية، وأرشدهم البعض إلى مكتبي، الذي تعرّض للسرقة والتحطيم والعنف اللفظي على الحوائط.

خارج السور:
أتمنى ان تكون بخير يا حسن، أنت وأسرتك وست الشاي، وألّا تكون ضمن قائمة المتعاونين مع الميليشيا، فقد أتخمنا بالخذلان.

اضغط هنا للانضمام الى مجموعاتنا في واتساب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى